ابن أم مكتوم الأعمى نافذ البصيرة

12a-na-52679

ابن أم مكتومرجل من رجالات مكة , لم يكن له وضع وثقل بين القبائل عامة , وأهل قريش خاصة ,ولم تسمع به الدنيا قبل الإسلام , ولم يكن له صوت ولا حديث فيها , بل كان رجلا عاديايعيش لنفسه مع نفسه , ولا يعرف له اسم أو رسم على التأكيد , الأمر الذي يوجد الاختلاففي اسمه , فأهل المدينة يقولون :عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشيالعماري .

وأما أهل العراق فسموه عمرا .

وأمه :عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بنمخزوم بن يقضة المخزومية .

فقد بصره صغيرا , وعرفته دروب مكة وأزقتها دؤوبا في طلبالرزق لا يهدأ , متنقلا يبحث عن المعرفة لا يتعب .

إن فقد بصره حال بينه وبين معرفة الكثير من الأشياء ,ولكنه يريد أن يعرف ,ويعرف كل شيء ,فاستعاض عن عينه بأذنيه ,فاستعملهما في معرفة الأشياء ,فكان يسمعولا ينسى , وتوصف له الأشياء فتبقى مجسمة في ذهنه متخلية في وجدانه .

سمع ذات يوم بتسلل العبيد والخدم والمستضعفين إلى دار ابن الأرقم يستمعونإلى محمد صلى الله عليه وسلم , وأحس أن في مكة حركة غير عادية , فالأعصاب مشدودة منسادة قريش , والعبيد والخدم يسامون الضرب والتعذيب , كل ذالكبسبب دعوة الرسول صلىالله عليه وسلم .

حينئذ قرر الذهاب إلى دار ابن الأرقم ليسمع كما يسمعون , وليعرفالخبر اليقين , فحمل عصاه وذهب هناك .

ولأول مرة تطرق أذنيه كلمات فتنزل إلى القلبمباشرة فتعطيه السكينة والأمان , وتهبه قوة لا تبالي بقوة الأرض كلها مجتمعة , إنهاكلمات الوحي التي نزل بها قوة جبريل الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم لتقرروحدانية الخالق , وتسوي بين البشر جميعا , وتحقق العدل بين الأقوياء والضعفاء , وتملأالأرض نورا بعد أن ملئت ظلما وجورا .

ومد ابن أم مكتوم يده إلى رسول صلى الله عليه وسلم معلنا إسلامه , ومقرراانضمامه إلى كتيبة الإيمان , معاهدا الله ورسوله على بذل روحه في شيء .

كان يسألالرسول صلى الله عليه وسلم وحوله حلقة من الرجال الأول يسمعون ويفهمون , ويسأله وهوفي طريقه إلى الكعبة , ويسأله وهو يعترض طريق الرجال ليدعوهم إلى الإسلام .

هاجر ابن أم مكتوم إلى المدينة , ونزل في دار القراء , وأخذ يؤدي مهمته التيأعد نفسه لها , مهمته في تعليم الناس مبادىء الدين , ومهمته في تحفيظهم بعض آياتالذكر الحكيم , ومهمته في تهيئة النفوس والقلوب في استقبال رسول الله صلى الله عليهوسلم , ولم يلبث طويلا حتى جاءته الأنباء يقرب وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلىالمدينة , وخرج مع وفود المستقبلين يتنسم أخبار الحبيب , ويترقب لحظة وصوله حتى يشنفأذنيه بسماع حديثه واستيعاب هديه .

وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في داربني النجار , ثم أخذ في بناء مسجده , ليكون المدرسة الكبرى لأول جيل عرفته البشريةيحمل هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر أوقاته , لم يتخلف عن صلاة واحده خلفه ,ولم يغب عن حلقة من حلقات التوجيه النبوي ,ولم تند آية واحدة من آيات الذكر الحكيممن فكره وعقله .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالأذان للصلاة إذا ما غاب بلال ,وكان صوته العذب يدوي بكلمةالله أكبر خمس مرات في اليوم .

ولقد كانبلال يؤذن في رمضان فلا يمتنع الناس عن الطعام والشراب ؛ لأن أذانه فقط لإيقاظالنائم وتنبيه الغافل , فإذا أذن ابن أم مكتوم كان هذا إيذانا بالامتناع عن الطعاموالشراب وإمساك الصائمين , فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : ( إن بلالا يؤذن بليل , فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم) , وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له : أصبحتأصبحت .

وابن أم مكتوم هذا من أولئك الرجال الذي أشربت قلوبهم حب النبي صلى اللهعليه وسلم , فهو أحب إليه من الأهل والعشيرة , أحب إليه من الزوجة والولد .

بل أحبإليه من نفسه التي بين جنبيه , وكل واحد من الصحابة الأبرار – وأبن مكتوم منهم – قديتحمل الإساءة تقدم إلى أهله وذويه , يكظم غيظه , ويعفو ويصفح , ولكنه لا يقبل بأي حالمن الأحوال أن يمس شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بأذى.

لقد كانابن أم مكتومصوّاما , لم يراه أحد إلا فيعبادة , أو متجها لأداء عبادة , أو مشاركا للمسلمين في أمر يهمهم , ولما نزل قولهتعالى“: لا يستوي القاعدون من المؤمنين …. والمجهادون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فسمع بذلك ابن أم مكتومفأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمل الآية على زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي , فثقلت علي , حتى خفتأن ترض فخذي , ثم سري عنه , فأنزل اللهغير أولىالضرر .

وقررابن مكتومأن يكونله أجر المجاهد , وطلب من إخوانه أن يشركوه معهم في حروبهم , واستجابوا له , ورافقالجيش المتجه إلى القادسية .

وعندما وصلوا إلى ميدان المعركة قال :

يا أحباب الله ,يا أصحاب محمد , يا أبطال المعارك , ادفعوا إلي اللواء , فإنيرجلأعمىلا أستطيع أن أفر , وأقيموني بين الصفين .

وعن أنسبن مالك رضي الله عنه أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء ,عليه درع .

ثم عاد رضي الله عنه إلى المدينة فمات بها .

وبعد ,فلقد كان ابن أم مكتومأعمى البصر,ولكن كان نافذ البصيرة ,أنزل الله فيه قرآنا , فكان هذا إيذانا من الله تعالى بقيام دولة الموحدين القانتين ,العاملين بشريعة الله في الأرض ,

كان هذا إيذانا من الله بتثبيت القيم الإيمانيةالتي على أساسها يتفاضل الناس بقيم الإيمان والتقوىإنأكرمكم عند الله أتقاكم

ومن ذلك اليوم ,أخذ الرسول صلى الله عليه وسلميستقبل المستضعفين , والذين دوى صوتهم في جنبات الأرض يحملون للبشرية كلها الأمن بعدالخوف , والنور بعد الظلام , والهدى بعد الضلال , فاستقبلتهم الدنيا أحسن استقبال ,وأقامتهم على ظهرها قادة ومعلمين

By مدوحم الفيفي

كاتب يبرز بأسلوبه المميز يجمع بين الإبداع الأدبي ومجال الكتابة والنقد، يتميز بقدرته على استعراض القضايا الاجتماعية والسياسية بطريقة ساخرة . لمدوحم الفيفي مؤلفات في مجال الشعر والقصص القصيرة التي تلمس خيوط الوجدان الإنساني وتلك التي تعكس الواقع بكل تعقيداته. تتسم كتاباته بالعمق والتنوع، ما يضفي على أعماله طابعاً خاصاً وجاذبية ملحوظة. ينقل الأفكار والمشاعر بأسلوبه الفريد والمبتكر الى القراء والمهتمين بالشؤون الاجتماعية والثقافية روائي وناقد وفيلسوف في آن واحد، يسلط الضوء على جوانب مختلفة من الحياة بأسلوبه الخاص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *