29/11/2022
فيفاء شارع عتمة العام تقاطع سعداان
من هناك

يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ

ألا ما أكثر الشعارات اليوم، وما أكثر الضحالة حين تُحلّل، فيلحظ الاستلاب والاستسلام لها، في جوّ محموم منذ زلزال الحادي عشر من سبتمبر، أي منذ أضحى كلّ شيء معقولاً ومقبولاً، أو وجهة نظر، محلّ احترام وتقدير! ففي مجال اللغة، ما عاد مستبعدًا أن يأتي شعار ينادي باستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي، للحاق (خالد العرب بخالد التُّرك)، عكس ما قاله أحمد شوقي في مديح الغازي مصطفى باشا كمال أتاتورك (1881- 1938)، مغيّر كتابة التركيّة بالحرف العربي إلى الحرف اللاتيني:


اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَبٍ
يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ


ولا عجب في هذا التجديد، فنحن نرى في هذا الأوان أن الحرف اللاتيني بات الأكثر والأكبر على كل مرافقنا ومستلزمات حياتنا، المصمّمة محلّيًّا لا المستوردة، بما في ذلك لوحات سياراتنا الجديدة في السعوديّة – على سبيل المؤشّر البسيط. حتى أن (المملكة العربيّة السعوديّة)، أي اسم الدولة نفسه، أصبح (K.S.A)، مكتوبًا بخطّ نافر الأحرف بارز جدًّا، فيما كلمة (السعوديّة) قد جُعلتْ بخط صغير خجول جدًّا، لا يكاد يُرى، اللهم إلاّ بمكبّر، كأنها كلمة فرعيّة ثانويّة. فالأصل إذن والاسم الرسمي، الذي يجب أن يخاطب عين القارئ – حتى في بلد الضاد الأُمّ – قد صار: (K.S.A)! قد يُقال إن هذا أمر هيّن، ولا معنى له. والسبب – من وجهة نظري – أنها قد هانت لدينا أمور كثيرة، فنحن في الواقع لم نعد نلحظ مفارقات الاستلاب اللغويّ والحضاري الذي نعيش فيه، من أصغر الأشياء إلى أكبرها؛ لأن المزاج العام أصبح شبه مغترب عن لغته وانتمائه وشخصيّته، ومعرفته: من هو؟ أهو عربيّ أم لاتيني؟ سعوديّ أم إنجليزي؟ ينتمي إلى (المملكة العربيّة السعوديّة)، أم إلى الـ(K.S.A)؟ لقد تبلورت هناك تربية اجتماعيّة على استساغة ما كان غير مستساغ، وتطبيع ما كان غير طبيعي، والتسليم المتبلّد بما كان من قبل محلّ التفات ونقد أو تساؤل. وعلى هذا فقس من الأمثلة ما لا حصر له.


ما عاد مستبعدًا إذن – والحالة هذه – أن يُنادَى غدًا باستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي؛ كي نتخفّف على الأقل من هذا الازدواج المرهق والمكلف! إلى جانب ذرائع أخرى يجب سدّ بابها، كتحديث الثقافة العربيّة، والتمهيد لخطط الإصلاح في المنطقة، ولكي ندخل جميعًا بانسجام تامّ في عالم العولمة، ومن أجل تحقيق تفاهم أمثل وأرضيّة مشتركة بين اللغة العربيّة وغيرها من اللغات. ولا ننسى في هذا المقام: مشروع (الشرق الأوسط الكبير) ومستلزماته، وفي طليعتها المستلزمات اللغويّة والثقافيّة، وهلمّ جرّا! وسيطول بنا الجدال، وسيصبح الأمر غدًا محل نقاش، ووجهات نظر مقدّرة. وسيُرمى يومئذٍ معارضو هذا الاتجاه بالتحجّر، وبالرجعيّة، والوقوف أمام (الانفتاح على اللغات العالميّة!)، والتعنّت المجنون أمام المسخ الثقافي!


وخلاصة القول في مناقشاتنا السابقة حول تغريب اللغة والثقافة: إن القائلين بنشر اللغات الأجنبيّة وبتعليمها في مراحل مبكّرة – وبحُجج مصلحيّة قاصرة يرونها مقنعة من وجهة نظرهم – لا يختلفون عن القائلين بأن العاميّات تراث شعبيّ ثمين جدًّا، بل أثمن من التراث العربي، بلغ من الأهميّة شأوًا عظيمًا يستأهل كل هذه الضوضاء من الإعلام والتشجيع والجوائز والمهرجانات والإنفاق. وكلا الفريقين اتفقا عند المحاجّة على أن يُلقيا عُرض الحائط بالقاعدة الشرعيّة، والقاعدة المنطقيّة، الذاهبة إلى أن: (درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح)؛ ربما لأنهم لا يرون تلك المفاسد، أو ربما لأنهم لا يريدون أصلاً أن يروها، بل لعلهم يرون أنهم هم المصلحون حقًّا، وعندها فلا جدوى من بيان خَطَل ما يرون وفساد ما يعتقدون. أمّا نحن، فليسمح لنا هذان الفريقان أن نرى أنهما قد اتفقا على مناقضة المبادئ والقِيَم والمصالح العُليا، وإلاّ فقد كان الأولى بهم – مع ما هو معروف اليوم من تردّي العرب في لغتهم العربيّة التي إليها ينتسبون – المناداة بتعليم اللغة العربيّة الفصحى بصورة صحيحة منذ مراحل التعليم المبكرة، على غرار تلك الفكرة التي نُشر عنها في وسائل الإعلام حول تجربة بعض المدارس النموذجيّة في أبها، التي تتبنّى جعل العربيّة ممارسة حيّة للطلبة، سماعًا ومحادثة، لا قراءة وكتابة فقط. ذاك كان الأولى، لو كانت الرؤية سليمة، ومبدئيّة، وصادقة، وأمينة، وليس قَلْب المعادلة مناداةً بتعليم اللغات الأجنبيّة في مراحل تعليميّة مبكّرة، من جانب، وتناديًا لإحياء العاميّات وتهيئة كلّ الإمكانيات والظروف في سبيل ذلك، من جانب آخر.


ولا يمكن هنا إغفال أن عدم الإحساس بأهميّة هذه القضايا إنما ينتج عن فقدان إحساس بالهويّة أصلاً. فالعربيّ اليوم، في وطأة الظروف السياسيّة والإحباطات القوميّة، قد فقد مبالاته بكل شيء، أو فقد وعيه بأيّ شيء:

من هو؟
وماذا يريد؟
وماذا يراد به؟


وكيف؟ لم يعد يحسّ بانتمائه، ولا يؤمن باستقلاله، أو قُلْ: لم يعد يحترم نفسه، ولا يحترم شيئًا يمتّ إلى ذلك الانتماء؛ لأنه لا يرى أنه حقّق له ما يصبو إليه في الواقع، فإذا هو يسارع إلى التخلّي عن كلّ جذوره، بما في ذلك مقوّماته الشخصيّة بصفته كائنًا إنسانيًّا ذا ثقافة وتاريخ وتراث وإسهام في الحضارة، وإن تشبّث بشيء تشبّث بالزعانف والشكليّات والعادات والتقاليد. ولقد، والله، سمعتُ من يَعدّ نفسه مفكّرًا، وهو من العرب الأقحاح، يُطلق أحكامه، بكلّ ثقة – مع أنه لا نصيب له لا من الثقافة الغربيّة ولا من إجادة أيّ لغة أجنبيّة – بأن العرب يختلفون عنصريًّا عن الغرب، وما سبب تخلّفهم إلا ذاك الاختلاف. نعم، إلى هذا الحدّ! وإذا كانت هذه حالة من يعدّون أنفسهم من نخبة المثقّفين، فكيف بعامّة الناس؟ إنها حالة من الضياع والتيه والانكسار العميق، الذي يمحو كرامة الإنسان وذاكرته وشعوره بأن له سيادة ما في هذا العالم، ولو على وجهه ولسانه وعقله ويده.


من ضمن رسائل تفاعلية كثيرة – تصلني من شتى دول العالم العربي، ومن أناس لا أعرفهم، وهي تدلّ على أن الدنيا ما تزال بخير، رغم الزَّبَد الكثيف – رسالة يحكي لي فيها الكاتب خالد المحاميد عن افتتاح معرض تشكيلي حضره في إحدى الكليّات بجدّة، فيقول:

(هالني أن عميدة الكلية تقف على المنصة، وتلقي كلمة باللغة الإنجليزيّة أمام حشد من الحضور، ليس من بينهم سوى عددٍ لا يزيد عن خمسة أشخاص من غير العرب. لقد أدركتُ ساعتها وهي تلفظ عبارة (إن شاء الله) بين كل جملة إنجليزية وأخرى، أن السيدة العميدة تعتبرنا غير موجودين إلا ببركة الله ومصادفاته القَدَريّة؛ لذلك تأتي جملة (إن شاء الله) مؤكّدة هذه المصادفة الثقيلة على القلب! ولا أدري ما الفلسفة التي تقف وراء عدم قول هذه الجملة بالإنجليزية، ربما يعتبرونها مساسًا بالذات الإلهية حين يتحول (الله) إلى (god)، من دون أيّ شعور بأن اللغة أيضًا هي وعاء عاطفيّ، لا تجده في حال السيّدة العميدة إلا فارغًا، ولذلك فإن مثلها يعبّر بصورة غير مباشرة عن شعور بالانتماء العاطفي لثقافة غير ثقافتها. إنها تمامًا تمثّل الجانب القسري في الامتثال، حيث يمكن هناك في ساحة المساءلة اللغوية الكشف عن المضمر الثاوي في أعماق الحسّ الثقافي؛ فنحن المحتشدون البالغ عددنا عشرين ضعفًا لخمسة من غير العرب – ومن دون أن ننكر معرفتنا بهذه اللغة – لسنا في الواقع سوى هشيم بشريّ، لا يمكنه انتشال ذاته من وضاعتها المدنيّة، سوى بلغة متمدّنة، هي لسوء حظنا اللغة الإنجليزيّة، أي بلغة مباشرة: لغة أعدائنا، الذين لم يُثبتوا حتى الآن، على الرغم من ضخامة إنتاجهم الماديّ والفكريّ وهيمنته، أنهم متحضّرون إلى الحدّ الذي يتوجّب علينا الذوبان فيهم. إن مقالاتك جارحة ومؤلمة وتذكّرني دائمًا بهذا الوضع الشاذّ الذي نعيشه. لكن ما الحلّ؟)


ومثل هذا كثير جدًّا ممّا ننظر إليه اليوم بغير اكتراث، مع أنه بالغ الدلالة على شخصيّتنا الهزيلة، والمهزومة داخليًّا وخارجيًّا، والمستلَبة وجوديًّا، الغارقة بصورة مهينة في محاكاة الآخرين، وبلا سبب أو ضرورة. بل ربما رأينا من لا يكتفي بما هو فيه، بل هو يستميت في الدفاع عن هزيمته وتبعيته، ويسعى إلى جعل ذلك منهج حياة وتعليم وثقافة، وبحُجج لا ترقى إلى عقل، وإنما تترجم حالة نفسيّة خاصّة ووضعيّة ثقافيّة عامّة يُرثَى لها؛ لذلك فنحن أمام مرض أُمّة، لا نملك علاجًا له هنا سوى بقرع نواقيس التنبيه. أمّا الحلول فلدى مؤسّساتنا التعليميّة والإعلاميّة والثقافيّة، لو كانت تستشعر مسؤوليّاتها. والحلّ في بلدان تستشعر هوّيتها معروف؛ فمثل تلك السلوكيّات مجرّمة ثقافيًّا وشعبيًّا، تُجعل في حجمها ويُعالج مرضاها، أو في أضعف الإيمان لا يجدون إلاّ الازدراء والإعراض، ممّا يضطرّهم إلى تعديل سلوكهم بأنفسهم. ماذا لو أن العرب المحتشدين أمام السيدة العميدة – وهي تهين لغتهم وكرامتهم، في عقر دارهم، أمام خمسة أجانب – امتلكوا (فقط) الإرادة الجماعيّة الكافية لمغادرة المكان؛ كي تتفرغ العميدة لخمستها المخاطبين؟ أما كانت في ذلك رسالة احتجاج أبلغ من كل هذه المقالات والتنظيرات؟


إن اللغة موقف، اجتماعيّ ثقافيّ حضاريّ، وليست محض حروف وكلمات.

د. عبدالله الفيفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سؤال التحقق + 8 = 13